هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام- د. محمود عباس الولايات المتحدة الامريكية - اتحاد كتاب كوردستان سوريا

728x90 AdSpace

شائع
الاثنين، 7 نوفمبر 2022

هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام- د. محمود عباس الولايات المتحدة الامريكية


هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام- د. محمود عباس الولايات المتحدة الامريكية

                       Pênûsa Azad-Hijmara 12an

أطلعني الأخ الباحث والناقد القدير إبراهيم محمود على دراسة كتبت سابقا في هذا المجال، وباللغة الكردية للـ(د. عبدالرحمن آداق) تحت عنوان ( بداية الأدبيات الكُردية الكلاسيكية) (منشورات نوبهار، استانبول، ط2، 2015، ط1، 2013 ، وهو يقع في " 462 صفحة " من القطع الوسط) وقد كانت مفاجئة قيمة، خاصة وإنها دراسة أكاديمية، ومن كردي، وللأسف لم أتمكن حتى اللحظة من الاطلاع على محتوياتها، لكن ما قدمه الأخ وفي مقالة له نشرت في موقع (ولاتي ما) بتاريخ 3/6/2017م تحت عنوان (الأدبيات الكردية قبل الإسلام) ملخصا ومترجما فيها الفصل المتعلق بما قبل الإسلام من مضمون الكتاب، بتقنيته اللغوية القيمة إلى العربية.

 وقد آثار اهتمامي بعض النقاط التي ربما غابت عن الباحث، أو أنه لم يتطرق إليها لغاية، ووددنا هنا أن نوضحها، لأن هذا الموضوع بحد ذاته تحتضن إشكالية تاريخية كثيرا ما تغاضى عنها العديد من المؤرخين العرب، وخاصة المسلمون منهم، لغايات، ربما عروبية، أو للتغطية على البشائع التي خلفتها القبائل العربية الجاهلة في بدايات الإسلام بشعوب الحضارات التي دمروها. مع ذلك تبقى الملاحظات اللاحقة في حكم دراسة نسبية ما لم يتم الاطلاع على كلية مضمون الكتاب، مثلما أن الموضوع المطروح على البحث (هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام) الدقيق والحساس يحتاج إلى كل أساليب أوجه البحث والتنقيب، فهذه الحضارة المترامية الأطراف، والتي كان الكرد بقبائلها ركيزتها الأساسية، والمحتضنة العديد من المدن الكبرى المتطورة القائمة على بنية ثقافية حضارية متينة وعميقة عمق التاريخ، والتي استندت عليها الإمبراطورية، لا يعقل أن تكون نتاجها الفكري والأدبي والفلسفي والعلمي دون الحضارتين اليونانية والرومانية أو البيزنطية.

1-    يتكتم أو لا يتعرض الكاتب ولغاية ما إلى الأسباب المؤدية إلى تلف أو ضياع الآثار الأدبية للحضارة الساسانية، والتي كما ذكرنا ضمن حلقاتنا المنشورة في هذا المجال، أن هذه الحضارة كانت كردية في حيزها العام وحسب مقاييس تلك الفترة الزمنية، ويحتمل أن يكون الساسانيين من جملة قبائل كردية تشكلت منهم الأمة الكردية –الكردستانية الحالية، ونعلم أن الإمبراطورية احتضنت حينها العديد من الإمارات والشعوب، واستندت على ثقافاتهم إلى جانب الثقافة الساسانية الكردية. وفي مقدمة الأسباب المؤدية إلى الضياع أو التلف ما خلفته غزوات القبائل العربية الإسلامية وجهالتهم بالآثار الفكرية المنسوخة، وهم، كما هو مدون في العديد من المصادر التاريخية، ومنهم المؤرخين المسلمين الأوائل، أمثال الطبري، والبلاذري، وأبن الأثير، وابن خلدون وغيرهم، كانوا يستندون على النقل والحفظ، ويبتذلون عمليات النسخ وجمع الكتب، وقد أوردنا من تلك المصادر، حوادث، منها جرت قبل الإسلام، وبعضها الآخر في القرنين اللاحقين، وأسماء الفقهاء والعلماء المسلمين الذين كانوا ضد عملية النسخ، مذكورة في معظم تلك الكتب. هذه الخلفية الثقافية أدت إلى تدمير العديد من المدارس والمراكز الثقافية والمعابد والكنائس التي كانت تدرس مجموعات من الكهنة وتخرج كتبة، وقد أتينا على عدة أمثلة منها نشاطات مدرستي كنديسابور والمدائن ونصيبين، وغيرهم. تمت تدميرها ونهبت محتوياتها، وحرقت أو أتلفت الكتب لأنها لم تكن ذات قيمة مادية مقارنة بتجارة السبايا في أسواق النخاسة المنتشرة حينها ضمن المجتمع البدوي الصحراوي الذي كان يعتمد على الغزو والنهب في العيش، وهذه الثقافة كانت وراء حرق مكاتب عديدة ومنها مكتبتي المدائن والإسكندرية، وقد دعمت هذه النزعة بالبديل الإلهي (القرآن) المستغني عن جميع الكتب والعلوم، وبقي هذا المفهوم مسيطرا حتى منتصف القرن الثالث الهجري. والكاتب في الفصل المذكور يسبق هذه الحقائق التاريخية بعدمية وجود الأدب الكردي ما قبل الإسلام أو في الحضارة الساسانية التي لا يمكن أن يقام صرحها العمراني والفكري بدون مدارس فكرية ومكاتب وشريحة من الكتبة والنساخ يعملون ضمن حاشية الملوك والأمراء وفي المراكز الثقافية التي احتضنت بلا شك الأدباء والفلاسفة والمفكرين والعلماء، وتم ذكر بعض الأسماء التي لم تصابها التعتيم الكلي رغم التدمير، فيما بعد ضمن العديد من كتب المؤرخين اللاحقين، وتبينت من خلال حادثة سقوط جدار بناية في مدينة أصبهان واكتشفت تحت أنقاضها عدد كبير من الكتب القديمة تبحث في العديد من العلوم وجميعها كانت تالفة تماما.

2-    المقارنة غير منطقية، بين نصوص الكتابات الماضية حيث الحضارة الساسانية وما بعدها واللغة الكردية الحالية للتأكيد فيما إذا كانت توجد حينذاك ما قبل الإسلام آثار أدبية وفلسفية كردية وباللغة الكردية. وهنا يغيب عند المؤلف تطورات اللغة الكردية، حروفاً وكتابة، وحديثا، إلى جانب تداخل اللهجات بين بعضها، وغياب السلطة الكردية التي  هي من أهم عوامل الحفاظ على اللغة ومقوماتها، وتتبع تغيراتها أو تحويراتها، وتكوين لغة حديثة تجاري الثقافة والتطور الحضاري الحالي، وهو في هذا إما أنه يتقصدها، أو أنها غابت عنه، وفي الحالتين خلقت في دراسته نقاط ضعف واضحة، أبعدتها عن الحيز المنطقي والعلمي كدراسة أكاديمية، وقد كتبنا في هذه الإشكالية حلقتين تحت عنوان( الميديون الساسانيون الكرد) حينها ومن خلال البحث والإقصاء خرجنا باحتمالية أن تكون قد تداخلت وعلى مر التاريخ وحيث المنطقة الواحدة والعرق الواحد، تقارب بين اللغات أو لهجات القبائل التي أسست الحضارات الميتانية والبارثية، والميدية(ماد) واللغة الفهلوية الساسانية، وبينوشاد وماسي سوراتي اللتين ذكرهما ابن الوحشية في كتابه ونسخ حروفهما، لتتكون منها لغة مشتركة، وتنتهي إلى اللغة الكردية الحالية بلهجاتها الأربع الرئيسة، رغم غياب السلطة المحافظة لها، بعكس اللغتين الفارسية والعربية، وعلى الأغلب كانت الصفة الكردية التي كانت نادرة الذكر حينها الغطاء الجامع لهذه اللغات والقبائل. وقد حدثت للغة الفارسية الناتجة من اللغة الفهلوية الاشكانية ولغة القبائل الأخمينية، التي تطورت وتشكلت منهم اللغة الفارسية التي أحيتها ودعمتها الدولة السامانية في بدايات القرن الثالث الهجري وما بعد، قبل أن تتأثر بالثقافة العربية ولغة القرآن وتحتضن العديد من الكلمات العربية، علما أن الدولة السامانية كانت وراء إضفاء الصفة الفارسية فيما بعد على تاريخ الحضارة الساسانية. والمثال الأخر والأكثر وضوحا هي اللغة العربية وتطوراتها، المتشكلة على أعتاب عدة لغات مختلفة، قبل الإسلام، ما بين لغة الحمير حيث العرب العاربة، ولغة العرب المستعربة، ومنها المتوسطة القريشية، والشمالية حيث الغساسنة والمناذرة، لتنصب جميعها في لغة قريش، اللغة التي قضت على الجميع واحتضنتهم في داخلها، وبدعم مطلق من السند الإلهي (النص القرآني) ومع ذلك، ومن بداية عملية جمع القرآن وحتى الأن مرت اللغة العربية بمراحل عديدة، من حيث الكتابة والخط والحروف، واللفظ، وغيرها، وكثيرا ما لا يمكن إضفاء الصفة العربية على منسوخات كتبت قبل الإسلام، وبلغات أهل اليمن أو الغساسنة، وسيكون غريبا مقارنة نسخة من فترة الخلافة العباسية مع احدى اللهجات العربية الحالية أو حتى مع كتب اللغة الفصحى الحالية. وعليه فإسقاط الكاتب على هذه المقارنة الجدلية بين المنسوخ في الماضي القديم، وإقصاء الأدب الكردي على أساسه غير منطقي ولا يستند على مصداقية تاريخية. وعليه تظل عملية التلف والضياع، على خلفية التدمير المتعمد، أو الإهمال، أو لا بديل عن القرآن، حاضرة ولا يمكن الحكم بعدمية وجود الأدب الكردي، أو آداب قامت عليها الحضارة الساسانية الغنية بمدارسها ومجتمعات مدنها المتطورة، ولا يمكن تبرئة القبائل العربية الإسلامية التي كانت  تعيش الجهالة، ولم تجلب اهتمامهم الأدب والآثار الفكرية وعليه فلم يحاولوا إنقاذ الآثار الأدبية والفكرية والفلسفية الماضية لما قبل الإسلام، بل حتى ولو كانت لبعض قادتهم نية، لكنهم لم يملكوا الإمكانيات أمام نزعة الغزو العامة، عند القبائل العربية، وتفضيل النهب والسبي على الكتب ومحتويات المدارس، فعليهم تقع التهمة، وهو ما يود الدكتور الابتعاد عنها، وعدم الإقحام فيها، ويحكم بعدم وجود أدب كردي قبل الإسلام غير الفتات المتناثرة التي جاء على ذكرهم بعض المؤرخين المسلمين لاحقاً.

3-     مقارنة الأدب الكردي، أو آداب الحضارة الساسانية أو اليونانية، بآداب القبائل البدوية العربية، غير منطقية، فالقبائل العربية كانوا يعتمدون على الحفظ، ويرفضون النسخ، وكان البعض من وجهائهم يبتذلونه، ولأسباب منها: عدم وجود مواد يكتب عليها، وندرة الذين كانوا يعرفون الكتابة، وقلة حيلة الحفظ على الرقع أو العظام، وعليه لا يمكن مقارنتها بثقافة المجتمعات الحضارية المذكورة، ومنها الحضارات التي قضت عليها القبائل العربية الإسلامية، كالساسانية والقبطية الفرعونية، والأمازيغية، فهؤلاء كان لهم شريحة من الكتبة، والناسخين، في المدارس وضمن حاشية البلاط. فالمجتمع وأغلبية مؤسسات الإمبراطورية كانوا يعتمدون في علاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على النسخ والمراسلات، وخاصة مراسلات الملوك والأمراء وبعض التجار الكبار، وكانت تحفظ، ومثلها نشاطات المدارس والمراكز الثقافية، ولا شك لم تكن مثل هذه المراسلات والنسخ متوفرة في مجتمع صحراوي، بدوي، بل ولا قيمة للنسخ والكتاب والمراسلات عندهم، ولهذا فالشكل الأدبي الوحيد المتطور عند القبائل العربية كان الشعر، علماً أن تاريخه أيضا لا يتجاوز المئة سنة قبل الإسلام. في تلك الفترة كانت تدور بين المدن اليونانية ومدارسها ومدارس الحضارة الساسانية بعثات دراسية احتضنت المدرسين والطلاب، كتلك التي كانت بين المدرسة الرواقية وكنديسابور، وغيرها، وقد أتينا على مصادرها سابقاً.

لا نعلم ما هي الأسباب التي أدت بالدكتور عبد الرحمن آداق في إهمال مثل هذه الإشكاليات، وحكم بشكل شبه مطلق بعدمية وجود آداب كردية ما قبل الإسلام، وأتى بالشذرات التي أنقذت بطرق ما من التلف والتدمير، وهو بذاته يكتفي بهم، ليحكم حكمه غير المنطقي على الخلفيات الأدبية والفكرية لشعوب تلك الحضارة ومنهم الكرد.  ويحكم بأن المجتمع الكردي كان يخلى من الكتب والآثار الأدبية، أي عمليا إما يقطع الصلة بين الكرد والحضارة الساسانية أو أنه ينفيها عن الحضارة ذاتها، وهو هنا يدخل في إشكالية فكرية حول مقومات تكوين الحضارات، والتي من أهمها هي المراكز الفكرية وشريحة الكتبة والفلاسفة والعلماء، والذين يستند عليهم ملوكها وقادة جيوش الإمبراطورية. وهنا وكأن الدكتور عبد الرحمن يود وبشكل غير مباشر تبرئة القبائل العربية الإسلامية من ذنوبهم في التدمير وتضييع آثار إحدى أعظم الحضارات في التاريخ البشري. ولا شك نرجح التناسي عند الكاتب على عدم الانتباه، لأن دراسته أكاديمية، وصاحب عمل مثل الكتاب القيم المذكور، لا يمكن ألا وينتبه إلى مثل هذه الإشكاليات التاريخية، وخاصة أن السلطات الإسلامية، بدءً من منتصف الخلافة العباسية، وبعد أن تشربت القليل من ثقافة الحضارات التي دمرتها، انتبهت إلى ما فعله أجدادهم من سلبيات، لذلك حاولوا إعادة المرتكزات الحضارية السابقة، فدعموا حركة النسخ والكتابة والترجمة، واستعانوا بشعوب الحضارة الساسانية، دون التركيز على اختلاف الأديان، وفي تلك الفترة كان أكثر الفقهاء وعلماء التأويل وعلم الكلام، وأفضلهم من الموالي، وقد نبغ بينهم شخصيات كردية عديدة وفي كل المجالات، فلا يعقل أن يقام مثل هذه الشريحة من على خلفية ثقافية ضحلة.

أسباب فقدان آثار الأدباء والفلاسفة الكرد قبل الإسلام

معظم المدن التي كانت ضمن جغرافية كردستان، والتي يقال بأنها دخلت الإسلام سلماً، أو استسلمت دون حرب، كانت تصلها صدى المجازر قبل بلوغهم القبائل الجاهلة الغازية إليهم. فرعب الشعوب الحضرية من القبائل الرعوية الغازية جدلية طاغية في التاريخ البشري، لأن تلك القبائل لا تملك شيئا تخسره، بعكس الحضر. وهو ما حصل لشعوب المدن الكردستانية، دخلتها القبائل العربية بعضها بدون حروب، لكنها دمرت ونهبت معظمها، تحت قوانين البداوة، ومفهوم الدين الجديد. ففي غزوها يقول أحمد بن أعتم الكوفي في سيرة هذه المدن، في كتابه الفتوح، الجزء الأول الصفحة(249) على لسان ياقوت الحموي " وبالرقة يومئذ جمع من الروم عظيم، فنزل عياض بن غنم قريبا من سورها، ثم بث السرايا حولها، فغنم المسلمون غنيمة حسنة. قال: وأشرفت الروم حيطان الرقة، فجعلوا يرمون بالحجارة والنشاب..." ويكمل في ذكر فتح مدينة الرها من بلاد الجزيرة " قال: وأهل الرهاء قد بلغهم يومئذ خبر عياض بن غنم وفتح الرقة فجزعوا لذلك جزعا شديدا، وقد جمعوا الأطعمة والأشربة والعلوفة إلى مدينتهم وهم على خوف شديد من المسلمين..." ورغم احتلال هذه المدن بشكل سلمي، لكنها أصبحت عرضة لتراجع ثقافي وحضاري على مدى قرون لاحقة.

   فالاحتماء بالدين لا يعطي لقادة الغزوات العربية الإسلامية العصمة بعدم القيام بالأعمال الكارثية، ولا المطلق الفكري أو الروحي، أو المعرفة التامة بغايات الدين، وتبينت هذه منذ السنوات الأولى ما بعد وفاة الرسول. ففي ميثاق العهد المأخوذ على أهل السنة من النصارى واليهود في القدس ومثلها التي فرضت على جميع الأمصار والمدن كالتي بعث بها عياض بن غنم إلى أهل الرها ونصيبين، توضح خلفيات إسلام شعوب المنطقة بتلك السرعة.

   فقد كان القادة الذين طبقوا الوثيقة بشر مثل غيرهم من الناس، حتى ولو أضفي عليهم صفات استثنائية، قريبة من الصفات الإلهية، المطلقة. فكثيرا ما يخرجونهم من الحيز الإنساني، ويدركون أن معارفهم لم تتجاوز معارف قادة قريش في الجاهلية، وأخلاقهم لم تخرج من جغرافية الأخلاق البشرية، ولم يبلغوا يوما مفاهيم المطلق الإلهي التي أحاطوهم بها المسلمون لاحقاً، باستثناء إيمانهم بالدين الجديد والنص القرآني، أي أنهم من شريحة المخلوق وليس الخالق، كانت لهم أخطاؤهم، بل وأخطاء كثيرة، كقادة نجحوا في بعضه وفشلوا في كثيره، وماتوا، والبعض منهم أهملوا أثناء موتهم وتم دفنهم في غير المقابر الإسلامية كرهاً، وعلى مدى القرون اللاحقة أحيوا أسماً وفبركت أفعالهم وتاريخهم، فيما بعد ولغايات، وقدسوا مع الرسالة الإلهية ومفاهيمها، علماً أنه وحسب الفقه الإسلامي، جميعا خارج جغرافية العصمة، فالعصمة أن وجدت فهي للأنبياء، من البعد الديني، وفي هذا خلاف، لذلك لا يمكن أن يكونوا بريئين من الدمار الذي خلفته الجيوش العربية الإسلامية التي قادوها، بتخلفها الحضاري، وجهالتها بالأدب وفلسفة وآثار المدارس الثقافية ومكتبات مدن الحضارة الساسانية. كالتي حدثت لمكتبة جنديسابور، والتي كانت قد استقبلت في عهد ملكها أنوشروان (531-579م) مجموعة من الفلاسفة والأطباء اليونانيين الذين جاؤوا مع زوجته، أبنة القيصر البيزنطي أورليانوس، وبعدهم مجموعة من الذين هربوا من الإمبراطور الروماني على خلفية إغلاقه لمدرستهم الرواقية في أثينا، وقسم منهم شاركوا فلاسفة أكاديمية كنديسابور في ترجمة العديد من الكتب اليونانية، والتي لم تنجوا أية منها من الإهمال أو الحرق.

   وفي الحقيقة أن معظم العلوم التي ظهرت في فترة العباسيين، وحتى الطبية منها كالتي اشتهر بها أبن سينا، كانت لها خلفيات تاريخية تعود إلى دراسات كلية الطب التابعة لأكاديمية كندي سابور، والتي عادت إلى الظهور بعد قرن من الزمن، وخرجت العديد من العلماء والشعراء والفلاسفة، إلى أن دمرت في نهايات القرن الثالث الهجري، ونقلت في فترة الاهتمام بحركة الترجمة والنسخ في عهد الخليفة المأمون الذي بنى بديلا عنها (دار الحكمة) في مدينة بغداد مركزاً على اللغة العربية، وكانت نهايات اللغة الفهلوية الساسانية التي كانت تدرس في تلك الأكاديمية، وصعود الفهلوية الاشكانية أي الفارسية بعيدا عن بغداد ضمن الدولة السامانية. رافقت هذه المدرسة مدارس أخرى في مجالات الطب والفلك والرياضيات وغيرها في مدن الحضارة الساسانية.

   كما وإن القبائل العربية، المسلمة أو المندرجة تحت رايتها، الغازية للجغرافيات المحاطة بشبه الجزيرة العربية، أو الحضارات المجاورة، لم يعرفوا التدوين، وكانوا يبتذلون النسخ، إلى أن تشربوا بعض المفاهيم الحضارية من علماء وكتاب الشعوب المحتلة، وبناء على قول الذهبي فإن تدوين العلوم بدأ في الإسلام سنة 143هـ، من مرحلة بدء تدوين الفقه، والتفسير، وسيرة الرسول، فقبل هذا التاريخ كان الأئمة يتكلمون من حفظهم.

   قبلها كانوا أميين، وجهلاء ليس فقط بالقيم والثقافة الحضارية، بل بمفاهيم الدين الجديد، معارفهم الإسلامية لم تكن كافية أو دون سوية الرسالة، والتمييز بينها كرسالة بشرية، وبين طموحهم في الحصول على منافع بشرية، أو سبية، كانت ولا تزال مشكوكة في أمرها وبينهم معظم قادة الغزوات، أو الذين حكموا الأمصار، وباستقراء التاريخ نجد أن أكثر من 90% من القبائل الغازية كانت إما حديثة العهد بالإسلام، لم تكن  قد مرت على ترك أديانها القديمة، واعتناق الدين الجديد، أكثر من سنوات قليلة، أو أنها لم تكمن مسلمة، تغزي من أجل المكاسب، والسبايا، ولكن التاريخ اللاحق وما تلا عهد الخلافات، أضفي على الكل وبشكل جمعي القدسية، وتم مع مرور الزمن تزوير التاريخ، وتم تشذيبهم عن الأخطاء، ونزهوا عن المعاصي، وجردوا من تهمة تدمير المكاتب المذكورة، والقضاء على التاريخ الأدبي والفكري لشعوب تلك المناطق، بل وثقافة تلك الحضارات، ومن حينها بدأت (إشكالية التاريخ) في المنطقة.

وهذه من الجدليات التي يتغاضى عنها العديد من المسلمين ومؤرخيهم، ويتناسون أن هذه الخاصية القبلية للعشائر العربية المتربية والمتعايشة على منطق الغزو والسبي والنهب، أو العادات القبلية الصحراوية، أدت إلى فيضان المدينة ومكة بالسبايا والإمة، والموالي،  حتى أصبح قادة الحملات الإسلامية فيما بعد تأبى قبول السبي البشري، وتصر على جمع الأموال، وانتقلت فيما بعد إلى امتلاك البقاع، والعقارات، والأراضي، والمزارع، والسكن الحضاري في الديار المستولية عليها (مثلما حصلت عند احتلال الرقة والرها ونصيبين وبعض المدن المجاورة) واستقرت بعضها في تلك البقاع بعد بقاءهم فترة خارج شبه الجزيرة العربية  بسبب الغزوات الدائمة.

   فعند احتلالهم للمدن الكردستانية، والتي يقال بأنها دخلت الإسلام سلماً، كانت تفرض عليهم الدية والجباية، والضرائب عوضاً عن السبي، لأن أسواق النخاسة كانت قد امتلأت بالسبايا بل فاضت، وقل الطلب عليهم، وأصبحت إعالة السبايا والموالي مكلفة ولم تعد تدر الأرباح كالسابق، وكمثال على ذلك يذكر كل من الطبري وأبن الأثير وياقوت الحموي والبلاذري وغيرهم من الذين كتبوا عن تلك الفترة، ومن المصادر وأحاديث المسترسلة عن تلك المرحلة، أن أعداد السبايا أو الأمة والموالي كانت تتجاوز أعداد أهل المدينة ومكة. وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب كانت محظورة دخول السبية والإمة والموالي المدينتين، إلا بإذن، إلى جانب معاملة خاصة لهم رغم إسلامهم. وكمثال فقد كان في ملكية عبد الله بن زبير بن العوام وحده أكثر من ألف سبية وسبي، أو ما سموا لاحقا بالأمة والموالي بعد فرض الإسلام عليهم.

 وبسبب تزايد الموالي بين العرب، ومعظمهم ورثة خلفيات حضارية، أبناء بيئة ثقافية متطورة نسبياً، وبعد تلقينهم مفاهيم الدين الجديد، وتمكنهم من اللغة العربية اصبحوا يتصدرون مراكز الفقه الإسلامي في معظم الأمصار، فيقول ابن العماد الدمشقي في كتابه (شذرات الذهب) الجزء الأول الصفحة(97) الموسوعة الشاملة "قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما مات العبادلة عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي فقيه مكة عطاء وفقيه اليمن طاووس وفقيه اليمامة يحي بن أبي كثير وفقيه البصرة الحسن البصري وفقيه الكوفة إبراهيم النخعي وفقيه الشام مكحول وفقه خراسان عطاء الخراساني" ويتمم في (ص130) "وكان أسلم مولي عمر بن الخطاب فقيهاً معروفاً، وكان عكرمة الفقيه المشهور، مولى ابن عباس، ولما مات ابن عباس باع ابنه عكرمة لخالد بن يزيد بأربعة آلاف دينار ... وكان ابن سيرين الفقيه البصري عبداً لأنس بن مالك، وكان من سبي بيسان. كاتب أنس على عشرين ألفاً وأدى المكاتبة " وهؤلاء معظمهم أبناء طبقة ثقافية وأحفاد شريحة الأدباء وفلاسفة الحضارة الساسانية، فأين هي آثار أسلافهم؟

والمعضلة الجارية الأن، ليس الاعتراف بالـ (إشكالية التاريخية) والقيام بالبحث عن المفقود، بل يستمرون في نفي النفي، وعدمية الاحتمالات، وفرض المطلق في الأحكام، وهو ما تبنته السلطات العروبية في القرن الماضي، ففاقموا في فبركة تاريخ شعوب المنطقة، وأضافوا تشويهات على التشويهات السابقة، لديمومة طغيانهم على الأمم التي تعربت أو عربت بالقوة، ودمرت ثقافتها، وبلغ بهم الجرأة على نفي وجود ثقافة غير الثقافة العربية، ووجود شعراء غير الشعراء الجاهلية، وفلاسفة غير اليونانيين الذين لم تطالهم يد القبائل العربية الجاهلة. ولهذا لا بد من مواجهة صارمة مع هذا الكم الهائل من التاريخ المفبرك والمشوه، وإعادة أحياء الماضي، أو على الأقل ما يمكن أحيائه والذي لربما لا يزال بعضه موجودا في مكان ما.

 ومن المستحسن للمختصين في هذا المجال البحث عن المكتبات القديمة، والتنقيب عن الكتب الأثرية في مكاتب إيران والهند واليونان وروما على سبيل المثال، ويجب على المنظمات الثقافية المعنية بالأمر توظيف اختصاصيين باللغات القديمة والباحثين في التاريخ، وقد تحدث في هذا المؤرخ آرثر كريستنسن، أثناء العمل على كتابه (تاريخ إيران في عهد الساسانيين) في الصفحة (31) " أتسعت معرفتنا باللغات الإيرانية المتوسطة اتساعاً بيناً بالاكتشافات التي تمت في تركستان الصينية ...والنصوص التي جمعتها هذه البعثات مأخوذة من الآداب البوذية والمانوية والمسيحية باللغات السنسكريتية..." فما قمنا به وقدمناه للقراء، ليست سوى جزء من دراسات وأبحاث قد تتشكل منها مجلدات، وهو ولا شك ليس عمل سهل، يحتاج إلى تخصيص أموال ومراكز استراتيجية، وإلا ستبقى تلك الأثار مفقودة، أو في حكم العدم، فاستخدام الأساليب الكلاسيكية في تتبع هذه المعضلة، إي البحث ضمن المواد السهلة تداولها، لن يلبي المطلوب. ومن الملاحظ أن معظم الذين كتبوا في هذا المجال: إما أنهم حاولوا فانصدموا، أو غير مختصين أو أنهم لم يبذلوا الجهد المطلوب، أو أنهم بحثوا بالطرق الكلاسيكية ضمن المكتبات العامة.

  ورغم كل ما حصل، يظل الكرد من الشعوب التي حافظت على ماهيتها على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن، وذلك لامتلاكه طاقة هائلة ليس فقط في مواجهة عاديات الدهر والأعداء، بل في الارتقاء بلغته وحماية جغرافيته وديمغرافيته. فالشعب الذي يحمل روح قابل على مقاومة الاندثار أو الذوبان كالتي تعرضت له معظم الشعوب الأخرى في المنطقة، لا بد وأنه قادراً على قيادة مجتمع الشرق الأوسط في المستقبل.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام- د. محمود عباس الولايات المتحدة الامريكية Reviewed by Yekîtiya Nivîskarên Kurdistana Sûriya on نوفمبر 07, 2022 Rating: 5 هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام- د. محمود عباس الولايات المتحدة الامريكية                         Pênûsa Azad-Hijmara 12an أطلعني...

ليست هناك تعليقات: